تقرير الصافي آدم محمد
تحت وهج شمس الصيف الحارقة، في مدينة إنقرا بولاية حجر لميس، كان طفل في الرابعة أو الخامسة من عمره يمشي حافيًا، حليق الرأس، وفي يده طاسة صغيرة، مرددًا: «شان الله، شان الله»، طالبًا المساعدة من المارة.
سُئل عن المكان الذي جاء منه، فذكر قرى لا تحضر أسماؤها في الذاكرة بدقة، وقال إن والده راعٍ مع إبله. حصل على نعلين ومبلغ من المال، ثم ابتعد مبتسمًا. لكنه دخل المكان الذي يوجد فيه معلّمه، وجثا أمامه وسلّمه المال، فقال المعلّم باللهجة التشادية:
«بالله، ولد خدام».
لا تكشف الواقعة وحدها ظروف الطفل كاملة، ولا تسمح بالحكم على المعلّم أو طبيعة ما جرى بينهما. لكنها تطرح سؤالًا: من يتابع سلامة طفل بهذا العمر حين يكون بعيدًا عن أسرته ويتنقل في الشوارع طلبًا للمال؟
في تشاد، يرتبط وجود أطفال في الخلاوي القرآنية بطلب العلم، لكن ظروفهم ليست واحدة. فبين من يجد الرعاية والتعليم، ومن يضطر إلى التسول لتأمين احتياجاته، فرق يستوجب الاهتمام دون تعميم أو إساءة إلى التعليم القرآني.
وفي تحقيق نشرته صحيفة «العربي الجديد» في أبريل 2022، تحدث فتى تشادي في الخامسة عشرة عن تسوله في سوق دمبيه بأنجمينا وتسليمه ثلثي ما يجمعه إلى معلّم تحفيظ القرآن، وفق شهادته المنشورة. هذه الحالة توثق خطر الاستغلال الذي قد يتعرض له بعض الأطفال، دون أن تعني أن الجميع يعيش الظروف نفسها.
وفي يونيو 2021، عرضت اليونيسف تجربة مدرسة قرآنية مطوّرة في مدينة بول، أشارت فيها إلى تحسن التعليم والمتابعة وإنهاء التسول والعقاب البدني داخل المدرسة. وتبيّن التجربة أن حماية الطفل لا تتعارض مع التعليم القرآني.
وفي 24 سبتمبر 2026، أفاد موقع «أنجمينا أكتو» بأن المجلس الوطني للشؤون الإسلامية أعلن خطة لإحصاء المدارس القرآنية. ويمكن أن تساعد هذه الخطوة في معرفة أوضاع المؤسسات والتلاميذ، إذا شملت متابعة ظروف الإقامة والتعليم والتواصل مع الأسر والإبلاغ عن الانتهاكات.
في نهاية المطاف، ليس السؤال ما إذا كان هؤلاء الأطفال يتعلمون، ولا ما إذا كانت الخلاوي تؤدي دورًا في تعليمهم، بل ما إذا كان بإمكانهم مواصلة طلب العلم دون أن يفقدوا حقهم في الطفولة.
ذلك الطفل الذي جثا أمام معلّمه وسلّمه ما جمعه من المارة تحت شمس حارقة، كان في عمر الأجدر به أن يكون فيه تحت رعاية أسرته، يتعلم ويلعب وينمو بعيدًا عن قسوة الشوارع.
وحين يُدفع الطفل إلى الشارع لجمع المال دون رعاية أو متابعة، تتجاوز القضية مشقة الحياة إلى احتمال الاستغلال؛ إذ قد تتحول حاجته إلى التعليم إلى عبء لا يناسب عمره، ويعرّضه لمخاطر كان ينبغي أن يُحمى منها. فالطفل ليس مصدرًا للدخل، ولا ينبغي أن تُستغل براءته على حساب سلامته وحقوقه.
وقد يتعرض للعنف والإهمال والضياع والاستدراج وأشكال أخرى من الاستغلال.
قد يمضي الناس بعد أن يمنحوه بعض النقود، لكن الطفل قد يعود إلى الشارع ما لم تتضافر جهود الأسرة والمجتمع والقائمين على الخلاوي مع الدولة ومؤسساتها، وفي مقدمتها الوزارة المكلفة بحماية الطفولة بالتعاون مع الجهات المعنية بالتعليم والشؤون الدينية والعمل الاجتماعي. ولا تقتصر المسؤولية على منع التسول، بل تشمل متابعة الأطفال وضمان سلامتهم والتدخل عند رصد الإهمال أو الاستغلال ومساءلة من تثبت مسؤوليته عن انتهاك حقوقهم.
فخلف كل طفل يتنقل في الشوارع حكاية تستحق أن تُروى، وحق يستحق أن يُحمى، وطفولة لا ينبغي أن تتحول إلى ثمن لطلب العلم أو وسيلة لاستغلال الحاجة.
Leave a comment
Your email address will not be published. Required fields are marked *